السيد صادق الموسوي
41
تمام نهج البلاغة
صلى اللّه عليه وآله وسلم ، ولم يكن غيره يحفظه . ثم هو اوّل من جمعه ، نقلوا كلهم أنه تأخر عن بيعة أبي بكر ، فأهل الحديث لا يقولون ما تقوله الشيعة من أنه تأخر مخالفة للبيعة ، بل يقولون : تشاغل بجمع القرآن ، فهذا يدلّ على أنه اوّل من جمع القرآن ، لأنه لو كان مجموعا في حياة رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله لما احتاج إلى أن يتشاغل بجمعه بعد وفاته صلى اللّه عليه وآله . وإذا رجعت إلى كتب القراءات وجدت أئمة القرّاء كلهم يرجعون إليه ، كأيي عمرو بن العلاء وعاصم بن أبي النجود ، وغيرهما ، لأنهم يرجعون إلى أبي عبد الرحمن السّلميّ القارئ ، وأبو عبد الرحمن كان تلميذه ، وعنه أخذ القرآن ، فقد صار هذا الفن من الفنون التي تنتهي إليه أيضا ، مثل ما سبق . وأما الرأي والتدبير ، فكان من أسدّ الناس رأيا ، وأصحّهم تدبيرا . وهو الذي أشار على عمر بن الخطاب لمّا عزم على أن يتوجه بنفسه إلى حرب الرّوم والفرس بما أشار . وهو الذي أشار على عثمان بأمور كان صلاحه فيها ، ولو قبلها لم يحدث عليه ما حدث . وانما قال أعداؤه : لا رأي له ، لأنه كان متقيّدا بالشريعة لا يرى خلافها ، ولا يعمل بما يقتضي الدين تحريمه . وقد قال عليه السلام : لولا الدين والتّقى لكنت أدهى العرب ، ولكن كل غدرة فجرة ، وكل فجرة كفرة . ولكل غادر لواء يعرف به يوم القيامة . وغيره من الخلفاء كان يعمل ما يستصلحه ويستوقفه ، أكان مطابقا للشرع أم لم يكن . ولا ريب من يعمل بما يؤدي إليه اجتهاده ، ولا يقف مع ضوابط وقيود يمتنع لأجلها مما يرى الصلاح فيه ، تكون أحواله الدنيوية إلى الانتظام أقرب ، ومن كان بخلاف ذلك تكون أحواله الدنيوية إلى الانتثار أقرب . وأما السياسة ، فإنه كان شديد السياسة ، خشنا في ذات اللّه ، لم يراقب ابن عمه في عمل كان ولاّه إياه ، ولا راقب أخاه عقيلا في كلام جبهه به وأحرق قوما بالنار ، ونقض دار مصقلة بن هبيرة ودار جرير بن عبد اللّه البجليّ ، وقطع جماعة وصلب آخرين . ومن جملة سياسته في حروبه أيام خلافته بالجمل وصفّين والنهروان ، وفي أقل القليل منها مقنع ، فإن كلّ سائس في الدنيا لم يبلغ فتكه وبطشه وانتقامه مبلغ العشر ممّا فعل عليه السلام في هذه الحروب بيده وأعوانه . فهذه هي خصائص البشر ومزاياهم قد أوضحنا أنه فيها الإمام المتّبع فعله ، والرئيس المقتفى أثره . وما أقول في رجل تحبهّ أهل الذمة على تكذيبهم بالنبوّة ، وتعظمّه الفلاسفة على معاندتهم لأهل الملّة . وتصوّر ملوك الإفرنج والروم صورته في بيعها وبيوت عباداتها ، حاملا سيفه ، مشمّرا لحربه . وتصوّر ملوك الترك والديلم صورته على أسيافها إذ كان على سيف عضد الدولة بن بويه وسيف أبيه ركن الدولة صورته ، وكان على سيف إلب أرسلان وابنه ملكشاه صورته ، كأنهم يتبركون بها ويتفاءلون بها النصر والظفر . وما أقول في رجل أحبّ كل واحد أن يتكثّر به ، وودّ كل أحد أن يتجمل ويتحسّن بالانتساب إليه . حتى الفتوّة التي أحسن ما قيل في حدهها : أن لا تستحسن من نفسك ما تستقبحه من غيرك ، فإن أربابها نسبوا أنفسهم إليه ،